الشيخ محمد السبزواري النجفي
510
الجديد في تفسير القرآن المجيد
المقدسة ، وهكذا سائر أولياء اللّه . فإذا كان الخوف ناشئا عن المعرفة الناشئة عن التدبّر والتفكّر في الآيات ودلائل المعرفة ، فبهذه المناسبة ذكر هذه الجملة في ذيل الآية الكريمة . والمراد بالعلماء هم العارفون باللّه والمتفكّرون في آياته ودلائل معرفته . ولذا قيل تفكّر ساعة خير من عبادة سنة ، أو أربعين سنة أو أزيد ، لأنّه كلّما زيد في معرفة الشخص زيد في إيمانه ، وكلّما زيد في إيمانه زيد في أجر أعماله ، فإن الأجر زيادته ونقصه على قدر المعرفة زيادة ونقيصة . وبالجملة شرط الخشية معرفة المخشيّ والعلم بصفاته تعالى وأفعاله ! فمن كان أعلم به كان أخشى منه . قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : إنّي أخشاكم للّه ، أتقاكم له ، لهذه الجهة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ فهو تعالى غالب في الانتقام ، ومعاقب للمصرّ على طغيانه ، وغفور للتّائب عن عصيانه ، وهذه علّة لوجوب الخشية لدلالته على ما قلناه في ترجمة الكريمة . والذيل يدلّ على ما يوجب الخوف والرجاء اللذين هما المطلوب من العبد . وفي المجمع عن الصّادق عليه السلام : يعني بالعلماء من صدّق قوله فعله . ومن لم يصدّق فعله قوله فليس بعالم . وعن بعض الأفاضل أنه يجوز دفع اسم الجلالة ونصب العلماء أي إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ على أن تكون الخشية مستعارة للتعظيم ، وفيه بعد لبعد المعنى الذي يجب أن يتبادر إلى الذهن . وفي بعض مؤلّفات المحقّق الطوسي ما حاصله أن الخشية والخوف وإن كانا في اللغة بمعنى واحد إلّا إن الخوف والخشية منه تعالى في عرف أرباب القلوب فرقا ، وهو أنّ الخوف تألّم النفس من العقاب المتوقّع بسبب ارتكاب المنهيّات والتقصير في الطّاعات ، وهو يحصل لأكثر الخلق وأن كانت له مراتب متفاوتة جدا . والخشية حالة تحصل عند الشعور بعظمة الحق وهيبته وخوف الحجب عنه ، وهذه حالة لا تحصل إلّا لمن اطّلع على حال كبرياء عزّ وجلّ وذاق لذّة القرب . ولذا قال سبحانه : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ولم يقل إنما يخاف اللّه . فالخشية خوف خاص ، وقد يطلقون عليه الخوف تسامحا .